أبو نصر الفارابي

76

كتاب الحروف

ما لا تفي الإشارة بالدلالة عليه . فإنّ الذي يشار إليه هو هذا الأبيض لا البياض ولا الأبيض على الإطلاق ، وهذا الطويل لا ( الطول ولا ) الطويل ( على الإطلاق ) - ولكنّ الطويل والأبيض هو أقرب إلى المشار إليه من الطول والبياض . ( 28 ) فإذا انتزعت القوّة الناطقة هذه الأشياء بعضها عن بعض ، عادت فركّبت بعضها إلى بعض ضروبا من التركيب تتحرّى بها محاكاة ما هو خارج النفس من التركيب ، فيصير تركيبها لها بعضها إلى بعض تركيب القضايا فتحدث الموجبات والسوالب ، وبعضها تركيب تقييد واشتراط ، وبعضها تركيب اقتضاء مثل الأمر والنهي ، وغير ذلك من أصناف التركيبات . ( 29 ) فتحدث حينئذ ألفاظ وتقدّر ، ويقع « 2 » تأمّل لها وإصلاح ، وأن يتمّ المحاكاة بها للمعقولات ، وتحدث به أصناف الألفاظ ، ويدلّ بصنف صنف منها على صنف صنف من المعقولات ، فتحصل الألفاظ الدالّة أوّلا على ما في النفس . وما في النفس مثالات ومحاكاة للتي خارج النفس . وإنّما قلنا « أوّلا » لأنّ انفراد المعاني المعقولة بعضها عن بعض ليس يوجد خارج النفس وإنّما يوجد في النفس خاصّة . والألفاظ ينفرد بعضها عن بعض مدلولا « 3 » بها على « 4 » المعاني التي ينفرد في النفس بعضها عن بعض . ( 30 ) والألفاظ هي أشبه بالمعقولات التي في النفس من أن تشبه التي خارج النفس « 5 » . ولذلك أنكر « 6 » خلق أن يكون كثير من التي ( تدلّ ) عليها الألفاظ موجودة أو صادقة ، مثل « البياض » و « السواد » و « الطول » « 7 » ، بل يزعمون أنّ الموجود هو « الأبيض » لا « البياض » و « الطويل » لا « الطول » . بل أنكر كثير منهم أيضا أن يكون « الأبيض » و « الطويل » و « الإنسان » موجودا ، بل الموجود - زعموا - هو « هذا الإنسان » و « هذا الأبيض » و « هذا الطويل » . بل أنكر أيضا كثير من الناس أن يكون ما يدلّ عليه المشار إليه ليس بكثير ، فأبطلوا وجود

--> ( 2 ) ويضع ( ه ) م . ( 3 ) تها عن م . ( 4 ) تها عن م . ( 5 ) + خاصه ( والظاهر أنّها حذفت ) م . ( 6 ) الخير م . ( 7 ) والطويل ( « ي » ه ) م .